وتمر الذكرى الواحد والستون للنكبة.. ذكرى للاقتلاع والتشريد.. ذكرى التهجير والضياع بحق الشعب الفلسطيني.. واحد وستون عاما من التشريد والعذاب والمعاناة والالام.. واحد وستون عاماً من الشجب والاستنكار والتنديد الدولي.. وإلى الآن لا يزال شعبنا الفلسطيني هائم على وجهه.. منكوباً محروماً مقهوراً بعد أن سلبت منه ارضه وبيته وحقه.. وليبقى شعبنا مشتتاً في كل انحاء العالم..

لا تزال تحلم بالعودة إلى صفورية.. مآسي النكبة والتشرّد حاضرة في ذاكرة الحاجة رضيّة

كتبهاحق العودة ..حق يأبى النسيان ، في 14 أيار 2009 الساعة: 16:29 م

لا يعتبر يوم إحياء ذكرى النكبة من كل عام يوماً عادياً في حياة الحاجة رضية، فهو يحمل في طيّاته ذكريات مؤلمة وموجعة تزداد مرارة كلما ازداد عدد سنين النكبة والتشرّد.

الحاجة رضيّة محمد كايد (69 عاما) التي تقطن في مخيم حماة للاجئين الفلسطينيين وسط سوريا، تحيي ذكرى يوم النكبة كما لو أنها حدثت بالأمس، لأنها تعتبرها جرحا غائرا ما زال يقطر دماً ولن يتوقف حتى تعود إلى ديارها التي هُجِّرت منها حسب وصفها.

وفي أيار من كل عام، يُحيي أبناء شعبنا في الداخل والشتات ذكرى نكبتهم وتهجيرهم الأول في العام 1948، واقتلاعهم من أراضيهم وقيام ‘دولة إسرائيل’ عليها (ذكرى النكبة) مطالبين بتنفيذ حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم وفق قرار الأمم المتحدة رقم 194.

ويوجد على الأراضي السورية ثلاثة عشر مخيماً هي: اليرموك جنوب العاصمة دمشق، والنيرب وحندرات في حلب، ومخيم حمص، ومخيم حماه وسط سوريا، ومخيم الرمل في اللاذقية، ومخيم خان الشيخ، ومخيم ذا النون، وسبينة، والست زينب، وجرمانا، ودرعا، ودرعا الطوارئ.

ويعود معظم اللاجئين الفلسطينيين في سوريا إلى مناطق شمال فلسطين، خصوصاً من مدن وأقضية: لواء حيفا، لواء الجليل (الناصرة، عكا، صفد، بيسان، طبريا..)، لواء اللد (يافا، اللد، الرملة، والمثلث).

وتُحدِّثنا الحاجة رضية ‘أم وائل’ عبر الهاتف من سوريا وتقول: استيقظ صباح اليوم الذي يُحيي فيه شعبنا ذكرى النكبة أصلّي الفجر وأجهِّز نفسي للذهاب إلى المقبرة حيث يرقد والديّ رحمهما الله لأقرأ لهما الفاتحة وأجدِّد العهد لهما بأن لا أفرّط بالأمانة التي حمّلوني إياها قبل وفاتهما وهي عبارة عن مفاتيح المنزل وصور عن ‘كواشين’ البيت وكروم الزيتون في قريتنا صفورية قضاء الناصرة التي هجّرنا منها على أيدي العصابات الصهيونية سنة 1948.

وتقول: عندما تشردنا من بلدتنا صفورية كان عمري وقتها ثماني سنوات ولكنني أذكر كل شيء كأن ما حصل كان بالأمس القريب، وما لم أعايشه لحظتها حدّثني عنه والدي ووالدتي، وأنا بدوري أحدِّث أبنائي وأحفادي عن ذلك، وأزرع فيهم حب وطنهم وحقهم في العودة إليه مهما طال الزمن، لأن حق العودة مقدس ولا يسقط بالتقادم.

وتضيف’ بعد آذان المغرب يوم الخامس عشر من شهر رمضان الموافق السادس عشر من تموز (يوليو) سنة 1948، دخل الأهالي إلى بيوتهم لتناول طعام الإفطار، وما هي إلا دقائق، حتى بدأت ثلاث طائرات حربية تابعة للعصابات الصهيونية بقصف القرية، ملقية براميل مشحونة بالمتفجرات والشظايا المعدنية والمسامير والزجاج، فهرع الناس إلى الخارج، إلى محيط القرية، اعتقاداً منهم أنها غارة عابرة، واستمرت الغارة نصف ساعة، ومن بعدها بدأ زحف هذه العصابات الصهيونية إلى القرية قادمة من مدينة شفاعمرو بعد احتلالها، لتبدأ مرحلة جديدة من القصف البري.

وزادت: بقي الأهالي في البساتين والمزارع المجاورة، يحتمون تحت الأشجار وبين الصخور، والخوف كان بادياً على الجميع، وأنا من بينهم، لم يكن سلاح في القرية، سوى بعض قطع السلاح النارية البدائية، أمام قصف مدفعي وجوي، واستمر القصف حتى ساعات الصباح، ثم بدأت العصابات تقصف البيوت وتدمّرها، ونحن نرى أعمدة الدخان تتصاعد من القرية، فبدأت عملية النزوح نحو الشمال.

وتابعت: قتلت القنابل نفراً من سكان القرية وجرحت عدداً آخر، وهرب كثيرون غيرهم إلى البساتين طلباً للأمان. وصمد المجاهدون وقاتلوا دفاعاً عن القرية، وقد انتهت المعركة سريعاً لأن الإمكانيات غير متكافئة. وعند الصباح، قرر كثيرون من الذين اختبأوا في البساتين أن يغادروا صوب الشمال، أو صوب الشرق ومن ثم بعدها بفترة انتقلنا إلى سوريا.

وأضافت: لم يخطر ببال أحد أننا في طريقنا نحو المجهول، اعتقد أهالينا أن الأمر لن يتعدى أياماً، سِرنا أياماً في العراء، فاحتمينا بداية في سهل البطوف (عند قرى سخنين وعرابة ودير حنا القائمة حتى الآن)، وخلال سيرنا كانت العصابات الصهيونية تلاحقنا بإطلاق الرصاص. كنا ننام في العراء، نفترش الأرض ونلتحف السماء، لا زاد ولا قوت، ولا ملابس نستبدلها.

وقالت: ما يهوِّن علينا مرارة اللجوء والهجرة القسرية عن بلادنا المعاملة الطيبة التي نُعامَل بها في سوريا، فأشقاؤنا السوريون حكومةً وشعباً لم يدّخروا جهداً في سبيل تحسين ظروف معيشتنا وقدّموا لنا كل ما نحتاجه، ويعاملوننا كأننا مواطنين سوريين لنا كامل الحقوق.

وختمت الحاجة أم وائل قائلةً: واحد وستون عاماً من التشريد والعذاب والمعاناة والآلام، والتشريد في أصقاع العالم. واحد وستون عاماً من الشجب والاستنكار والتنديد الدولي وما زال شعبنا الفلسطيني رغم كل هذه الرحلة الطويلة في درب الآلام، ورغم المعاناة والتضحيات الجسام التي طالت كل ممتلكات الشعب الفلسطيني حتى أرواحه الطاهرة التي لم ترتكب أي ذنب غير كونها مدموغة بالهوية الفلسطينية، يحمل هويته ووطنه في قلبه. وستبقى كذلك حتى يسترجع شعبنا حقوقه المشروعة المكفولة دولياً.

وتعتبر صفورية أكبر قرى الجليل وكانت في العام 1948 تعد، وفق التقديرات، حوالي ستة آلاف نسمة، وكانت القرية الثانية أو الثالثة على مستوى فلسطين كلها في تلك الفترة، وهي قريبة للناصرة، وتقع على الطريق بين الناصرة ومدينة شفاعمرو، واليوم هناك بعض بقايا البيوت، وعشرات الدونمات الزراعية التي كان بالإمكان الاحتفاظ بها، من أصل آلاف الدونمات، إلى جانب مستعمرة يهودية، على شكل قرية زراعية تعاونية أطلق عليها اسم ‘تسيبوري’.

وفي صفورية تاريخ وحضارة، استوطنها جميع المستعمرين الذين مروا في هذه البلاد، وبنوا لهم قصوراً، وكانت إحدى أهم المدن في الفترة الصليبية، ثم اعتمدها العثمانيون، وفيها معلم ديني، إذ يقال أن السيدة مريم والدة المسيح - عليه السلام - ولدت في تلك القرية، وهناك دير يحمل اسمها، لا يزال إلى اليوم، وفيه حالياً ملجأ لأطفال وفتيان عرب أبناء عائلات تعيش في ضائقة اجتماعية.

وتشدد الروايات الإسرائيلية المتعلقة باحتلال صفورية على شهرتها بمقاومة القوات الصهيونية. وجاء أول ذكر لهجوم على صفورية في صحيفة (نيويورك تايمز)، إذا أوردت بلاغاً أصدره سلاح الجو الإسرائيلي يزعم فيه أن إصابات مباشرة سجلت في القرية يوم 30 أيار (مايو) 1948. وقد احتلت بعد أسبوعين من ذلك التاريخ تمهيداً للهجوم على الناصرة، في سياق عملية ديكل على يد كتيبة مدرعة من اللواء شيفع (السابع) كتيبتي مشاة من لواء كرملي.

ويذكر ‘تاريخ حرب الاستقلال’ أن القوة المختلطة انطلقت مساء 15 تموز/ يوليو 1948 إلى مهمتها ووصلت إلى ضواحي تسيبوري ـ صفورية ـ بعد أن قطعت في تلك الليلة مسافة 15 كيلومترا تقريبا داخل منطقة العدو. وعلى الفور نظمت صفوفها لشن الهجوم… كان عرب صفورية معروفين دائماً في الجليل بأنهم محاربون أشداء، لكن القرية سقطت دون قتال تقريباً من جراء هول المفاجأة. وقد أنجز الاستيلاء على القرية عند الفجر. إلا إن المؤرخ الإسرائيلي بن موريس يشير إلى أن القرية (قاومت تقدم الجيش الإسرائيلي مقاومة شديدة)، ولذلك سويت القرية بالأرض وطرد سكانها. وهو يذكر أيضاً أن القرية (كانت تساند بقوة جنود القاوقجي (أي جيش الإنقاذ العربي)، وكان لها تاريخ حافل بالسلوك المناوئ للييشوف ( 1936- 1939).

وعلى أرض صفورية أسست مستعمرة تسيبوري الزراعية التي تبعد 3 كيلومترات إلى الجنوب الشرقي من موقع القرية، على أراضي القرية في سنة 1949. كذلك تقع مستعمرة هسوليليم التي أسست في سنة 1949 أيضاً على أراضي القرية، إلى الغرب من موقعها. وفي زمن أحدث عهداً أنشئت ثلاث مستعمرات على أراضي القرية: ألون هغليل في سنة 1980، هوشعيا في سنة 1981، حنتون شمالي غربي موقع القرية في سنة 1984.

ولم تبق إلا بضعة منازل في موقع القرية,، منها منزل عبد المجيد سليمان ومنزل علي موجودة، أما باقي الموقع فتغطيه غابة صنوبر غرسها الصندوق القومي اليهودي إحياءً لذكرى بعض الأشخاص والمناسبات (كيوم استقلال غواتيمالا). ولا تزال قلعة ظاهر العمر ماثلة على قمة التل، وإن يكن بعض حيطانها قد تداعى، وهي محاطة بمواقع الجانب الشمالي من القرية، ويستعمل دارا للأيتام الفلسطينيين. وثمة أيضاً كنيسة للروم الأرثوذكس. وعلى الطريق الجنوبية المفضية إلى القرية، ثمة كنيس لليهود كان مقاماً للمسلمين فيما مضى، وبالقرب منه مقبرة إسرائيلية حديثة العهد.

ويعيش اليوم في فلسطين ما بين 16 ألفاً إلى 18 ألفاً نسمة أصولهم من صفورية، غالبيتهم الساحقة تعيش في حي مجاور لقريتهم في مدينة الناصرة، ويحمل الحي اسمهم، ‘الصفافرة’، ويقدر عدد الفلسطينيين من صفورية في الشتات بحوالي 40 ألف نسمة، أي أن أهل صفورية يعدون اليوم أكثر من 58 ألف نسمة حسب التقديرات، ويعيش معظم أهالي صفورية في الشتات في مخيمات اللاجئين في سورية ولبنان، ومنهم من تشتت إلى دول عربية أخرى.

وتبلغ أعداد المسجلين من اللاجئين في الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين في سوريا ما يقارب (550) ألف لاجئ فلسطيني مع نهاية العام 2006، بينما تبلغ أعدادهم وفق سجلات الأونروا ما يقارب (460) ألف، وفق التقرير الأخير للمفوض العام للوكالة والمقدم للأمين العام للأمم المتحدة، يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة في سوريا مع الاحتفاظ بجنسيتهم الفلسطينية. وعند إضافة أعداد الفلسطينيين من غير المسجلين في الهيئة العامة للاجئين في سوريا، والمقصود الفلسطينيين من حملة وثائق العراق، لبنان، مصر، والجواز الأردني، فإن العدد الكلي للفلسطينيين في سوريا يقترب من (700) ألف لاجئ فلسطيني.

وتجدر الإشارة إلى وجود أكثر من (300) ألف مواطن سوري يعتبروا أيضاً بحكم اللاجئين الفلسطينيين، حيث غادروا فلسطين عام النكبة بعد أن كانوا من المقيمين في فلسطين.

 

وفا- حسام المغني

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول